الخطيب الشربيني

703

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

قال الشاعر « 1 » : إذا انسلخ الشهر الحرام فودّعي * بلاد تميم وانصري آل عامر ويروى : إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي * بلاد تميم وانصري أرض عامر والفتح فتح البلاد ، وقال الرازي : الفرق بين النصر والفتح أنّ الفتح هو الإعانة على تحصيل المطلوب الذي كان متعلقا به ، والنصر كالسبب فلهذا بدأ بذكر النصر وعطف الفتح عليه . فإن قيل : إنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان دائما منصورا بالدلائل والمعجزات فما المعنى : بتخصيص لفظ النصر بفتح مكة ؟ . أجيب : بأنّ المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع . فإن قيل : النصر لا يكون إلا من الله تعالى ، قال الله تعالى : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ آل عمران : 126 ] فما فائدة التقييد بنصر الله ؟ أجيب : بأنّ معناه نصر لا يليق إلا بالله تعالى ، كما يقال هذا صنعة زيد إذا كان مشهورا بإحكام الصنعة والمقصود منه تعظيم حال تلك الصنعة فكذا ههنا . فإن قيل : الذين أعانوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على فتح مكة هم أصحابه من المهاجرين والأنصار ، ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسوله صلى اللّه عليه وسلم نصر الله فما السبب في ذلك ؟ أجيب : بأنّ النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بدّ له من داع وباعث وهو من الله تعالى ، فإن قيل : فعلى هذا الجواب يكون فعل العبد مقدّما على فعل الله تعالى ، وهذا بخلاف النصر لأنه تعالى قال : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [ محمد : 7 ] فجعل نصره مقدّما على نصره لنا ؟ أجيب : بأنه لا امتناع في أن يكون فعل العبد سببا لفعل آخر يصدر على الله تعالى ، فإنّ أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكه العقول البشرية . ولما عبر عن المعنى بالمجيء عبر عن المرئي بالرؤية فقال تعالى : وَرَأَيْتَ ، أي : ببصرك الناس ، أي : العرب الذي كانوا حقيرين عند جميع الأمم فصاروا بك هم الناس كما دلت عليه لام الكمال ، وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا بالنسبة إليهم رعاعا حال كونهم يَدْخُلُونَ شيئا فشيئا متجدّدا دخولهم مستمرّا فِي دِينِ اللَّهِ ، أي : شرع من لم تزل كلمته هي العليا أَفْواجاً ، أي : جماعات كثيفة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون واحدا واحدا واثنين اثنين . وعن جابر بن عبد الله أنه بكى ذات يوم ، فقيل له في ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا » « 2 » . وقال عكرمة ومقاتل : أراد

--> ( 1 ) ويروى البيت بلفظ : إذا دخل الشهر الحرام فودّعي * بلاد تميم وانصري أرض عامر والبيت من الطويل ، وهو للراعي النميري في ديوانه ص 133 ، ولسان العرب ( نصر ) ، وتهذيب اللغة 12 / 160 ، وتاج العروس ( نصر ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 744 ، ومقاييس اللغة 5 / 435 ، ومجمل اللغة 4 / 408 ، وكتاب الجيم 3 / 258 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 343 ، والدارمي في المقدمة حديث 90 ، بلفظ : « ليخرجن منها أفواجا كما دخلوه أفواجا » .